الجصاص
547
أحكام القرآن
فيما تحاكموا إليك فيه ، فقيل : إنهم تحاكموا إليه في حد الزانيين ، وقيل : في الدية بين بني قريظة وبني النضير ، فأخبر تعالى أنهم لم يتحاكموا إليه تصديقا منهم بنبوته ، وإنما طلبوا الرخصة ، ولذلك قال : ( وما أولئك بالمؤمنين ) يعني هم غير مؤمنين بحكمك أنه من عند الله مع جحدهم بنبوتك وعدولهم عما يعتقدونه حكما لله مما في التوراة . ويحتمل أنهم حين طلبوا غير حكم الله ولم يرضوا به فهم كافرون غير مؤمنين . وقوله تعالى : ( وعندهم التوراة فيها حكم الله ) يدل على أن حكم التوراة فيما اختصموا فيه لم يكن منسوخا ، وأنه صار بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم شريعة لنا لم ينسخ ، لأنه لو نسخ لم يطلق عليه بعد النسخ أنه حكم الله ، كما لا يطلق أن حكم الله تحليل الخمر أو تحريم السبت . وهذا يدل على أن شرائع من قبلنا من الأنبياء لازمة لنا ما لم تنسخ ، وأنها حكم الله بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم . وقد روي عن الحسن في قوله تعالى : ( فيها حكم الله ) بالرجم ، لأنهم اختصموا إليه في حد الزنا . وقال قتادة : فيها حكم الله بالقود ، لأنهم اختصموا في ذلك . وجائز أن يكونوا تحاكموا إليه فيهما جميعا من الرجم والقود . قوله تعالى : ( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا ) . روي عن الحسن وقتادة وعكرمة والزهري والسدي ، أن النبي صلى الله عليه وسلم مراد بقوله : ( يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا ) . قال أبو بكر : وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم حكم على الزانيين منهم بالرجم وقال : " اللهم إني أول من أحيا سنة أماتوها " وكان ذلك في حكم التوراة ، وحكم فيه بتساوي الديات وكان ذلك أيضا حكم التوراة ، وهذا يدل على أنه حكم عليهم بحكم التوراة لا بحكم مبتدأ شريعة . وقوله تعالى : ( وكانوا عليه شهداء ) قال ابن عباس : " شهداء على حكم النبي صلى الله عليه وسلم أنه في التوراة " . وقال غيره : " شهداء على ذلك الحكم أنه من عند الله " . وقال عز وجل : ( فلا تخشوا الناس واخشون ) . قال فيه السدي : " لا تخشوهم في كتمان ما أنزلت " . وقيل : لا تخشوهم في الحكم بغير ما أنزلت . وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا الحارث بن أبي أسامة : حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن قال : " إن الله تعالى أخذ على الحكام ثلاثا : أن لا يتبعوا الهوى ، وأن يخشوه ولا يخشوا الناس ، وأن لا يشتروا بآياته ثمنا قليلا " . ثم قال : ( يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى ) [ ص : 26 ] الآية ، وقال : ( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا ) إلى قوله : ( فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) . فتضمنت هذه